فصل: (دَرَجَاتُ الْوَرَعِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [تَعْرِيفُ الْوَرَعِ]:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: الْوَرَعُ تَعْرِيفُهُ تَوْقٌ مُسْتَقْصًى عَلَى حَذَرٍ. وَتَحَرُّجٌ عَلَى تَعْظِيمٍ.
يَعْنِي أَنْ يَتَوَقَّى الْحَرَامَ وَالشُّبَهَ، وَمَا يَخَافُ أَنْ يَضُرَّهُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ مِنَ التَّوَقِّي؛ لِأَنَّ التَّوَقِّيَ وَالْحَذَرَ مُتَقَارِبَانِ. إِلَّا أَنَّ التَّوَقِّيَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ. وَالْحَذَرُ فِعْلُ الْقَلْبِ. فَقَدْ يَتَوَقَّى الْعَبْدُ الشَّيْءَ لَا عَلَى وَجْهِ الْحَذَرِ وَالْخَوْفِ. وَلَكِنْ لِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْ إِظْهَارِ نَزَاهَةٍ، وَعِزَّةٍ وَتَصَوُّفٍ، أَوِ اعْتِرَاضٍ آخَرَ، كَتَوَقِّي الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَعَادٍ، وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ مَا يَتَوَقَّوْنَهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالدَّنَاءَةِ، تَصَوُّنًا عَنْهَا، وَرَغْبَةً بِنُفُوسِهِمْ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا، وَطَلَبًا لِلْمَحْمَدَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ تَحَرُّجٌ عَلَى تَعْظِيمٍ يَعْنِي أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْوَرَعِ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالشُّبَهِ إِمَّا حَذَرُ حُلُولِ الْوَعِيدِ، وَإِمَّا تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَإِجْلَالًا لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَا نَهَى عَنْهُ.
فَالْوَرَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ: إِمَّا تَخَوُّفٌ، أَوْ تَعْظِيمٌ. وَاكْتَفَى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الْحُبِّ الْبَاعِثِ عَلَى تَرْكِ مَعْصِيَةِ الْمَحْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وَإِلَّا فَلَوْ خَلَا الْقَلْبُ مِنْ تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخَالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ وَعَبْدَهُ وَأَمَتَهُ. فَإِذَا قَارَنَهُ التَّعْظِيمُ أَوْجَبَ تَرْكَ الْمُخَالَفَةِ.
قَالَ: وَهُوَ آخِرُ مَقَامِ الزُّهْدِ لِلْعَامَّةِ، وَأَوَّلُ مَقَامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ.
يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّوَقِّيَ وَالتَّحَرُّجَ- بِوَصْفِ الْحَذَرِ وَالتَّعْظِيمِ- هُوَ نِهَايَةٌ لِزُهْدِ الْعَامَّةِ، وَبِدَايَةٌ لِزُهْدِ الْمُرِيدِ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَرَعَ- كَمَا تَقَدَّمَ- هُوَ أَوَّلُ الزُّهْدِ وَرُكْنُهُ، وَزُهْدُ الْمُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ الْعَامَّةِ. وَنِهَايَةُ الْعَامَّةِ هِيَ بِدَايَةُ الْمُرِيدِ. فَنِهَايَةُ مَقَامِ هَذَا هِيَ بِدَايَةُ مَقَامِ هَذَا. فَإِذَا انْتَهَى وَرَعُ الْعَامَّةِ صَارَ زُهْدًا. وَهُوَ أَوَّلُ وَرَعِ الْمُرِيدِ.

.[دَرَجَاتُ الْوَرَعِ]:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجَنُّبُ الْقَبَائِحِ لِصَوْنِ النَّفْسِ]:

قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجَنُّبُ الْقَبَائِحِ لِصَوْنِ النَّفْسِ. وَتَوْفِيرُ الْحَسَنَاتِ. وَصِيَانَةُ الْإِيمَانِ.
هَذِهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ مِنْ فَوَائِدِ تَجَنُّبِ الْقَبَائِحِ.
إِحْدَاهَا: صَوْنُ النَّفْسِ. وَهُوَ حِفْظُهَا وَحِمَايَتُهَا عَمَّا يَشِينُهَا، وَيَعِيبُهَا وَيُزْرِي بِهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتِهِ، وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ. فَإِنَّ مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَكَبُرَتْ عِنْدَهُ صَانَهَا وَحَمَاهَا، وَزَكَّاهَا وَعَلَّاهَا، وَوَضَعَهَا فِي أَعْلَى الْمَحَالِّ. وَزَاحَمَ بِهَا أَهْلَ الْعَزَائِمِ وَالْكِمَالَاتِ. وَمَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَصَغُرَتْ عِنْدَهُ أَلْقَاهَا فِي الرَّذَائِلِ. وَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، وَحَلَّ زِمَامَهَا وَأَرْخَاهُ. وَدَسَّاهَا وَلَمْ يَصُنْهَا عَنْ قَبِيحٍ. فَأَقَلُّ مَا فِي تَجَنُّبِ الْقَبَائِحِ: صَوْنُ النَّفْسِ.
وَأَمَّا تَوْفِيرُ الْحَسَنَاتِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَوْفِيرُ زَمَانِهِ عَلَى اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ. فَإِذَا اشْتَغَلَ بِالْقَبَائِحِ نَقَصَتْ عَلَيْهِ الْحَسَنَاتُ الَّتِي كَانَ مُسْتَعِدًّا لِتَحْصِيلِهَا.
وَالثَّانِي: تَوْفِيرُ الْحَسَنَاتِ الْمُفَعْوِلَةِ عَنْ نُقْصَانِهَا بِمُوَازَنَةِ السَّيِّئَاتِ وَحُبُوطِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ أَنَّ السَّيِّئَاتِ قَدْ تُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ، وَقَدْ تَسْتَغْرِقُهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ تُنْقِصُهَا. فَلَا بُدَّ أَنْ تُضْعِفَهَا قَطْعًا، فَتَجَنُّبُهَا يُوَفِّرُ دِيوَانَ الْحَسَنَاتِ. وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَهُ مَالٌ حَاصِلٌ. فَإِذَا اسْتَدَانَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ الدَّيْنُ أَوْ يُكْثِرَهُ أَوْ يُنْقِصَهُ، فَهَكَذَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ سَوَاءً.
وَأَمَّا صِيَانَةُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَإِضْعَافُ الْمَعَاصِي لِلْإِيمَانِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالذَّوْقِ وَالْوُجُودِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ- كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ- إِذَا أَذْنَبَ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ. فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ. وَإِنْ عَادَ فَأَذْنَبَ نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى، حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ. وَذَلِكَ الرَّانُّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. فَالْقَبَائِحُ تُسَوِّدُ الْقَلْبَ، وَتُطْفِئُ نُورَهُ. وَالْإِيمَانُ هُوَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ. وَالْقَبَائِحُ تَذْهَبُ بِهِ أَوْ تُقَلِّلُهُ قَطْعًا. فَالْحَسَنَاتُ تَزِيدُ نُورَ الْقَلْبِ. وَالسَّيِّئَاتُ تُطْفِئُ نُورَ الْقَلْبِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كَسْبَ الْقُلُوبِ سَبَبٌ لِلرَّانِّ الَّذِي يَعْلُوهَا. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْكَسَ الْمُنَافِقِينَ بِمَا كَسَبُوا. فَقَالَ: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}. وَأَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى عِبَادِهِ سَبَبٌ لِتَقْسِيَةِ الْقَلْبِ. فَقَالَ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}. فَجَعَلَ ذَنْبَ النَّقْضِ مُوجِبًا لِهَذِهِ الْآثَارِ مِنْ تَقْسِيَةِ الْقَلْبِ، وَاللَّعْنَةِ، وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ، وَنِسْيَانِ الْعِلْمِ.
فَالْمَعَاصِي لِلْإِيمَانِ كَالْمَرَضِ وَالْحُمَّى لِلْقُوَّةِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ، كَمَا أَنَّ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ.
فَإِيمَانُ صَاحِبِ الْقَبَائِحِ كَقُوَّةِ الْمَرِيضِ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الْمَرَضِ وَضَعْفِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ- وَهِيَ صَوْنُ النَّفْسِ، وَتَوْفِيرُ الْحَسَنَاتِ، وَصِيَانَةُ الْإِيمَانِ- هِيَ أَرْفَعُ مِنْ بَاعِثِ الْعَامَّةِ عَلَى الْوَرَعِ دَرَجَاتُهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا أَرْفَعُ هِمَّةً، لِأَنَّهُ عَامِلٌ عَلَى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَصَوْنِهَا، وَتَأْهِيلِهَا لِلْوُصُولِ إِلَى رَبِّهَا. فَهُوَ يَصُونُهَا عَمَّا يَشِينُهَا عِنْدَهُ. وَيَحْجُبُهَا عَنْهُ. وَيَصُونُ حَسَنَاتِهِ عَمَّا يُسْقِطُهَا وَيَضَعُهَا؛ لِأَنَّهُ يَسِيرُ بِهَا إِلَى رَبِّهِ. وَيَطْلُبُ بِهَا رِضَاهُ. وَيَصُونُ إِيمَانَهُ بِرَبِّهِ مِنْ حُبِّهِ لَهُ، وَتَوْحِيدِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَمُرَاقَبَتِهِ إِيَّاهُ عَمَّا يُطْفِئُ نُورَهُ. وَيُذْهِبُ بَهْجَتَهُ، وَيُوهِنُ قُوَّتَهُ. قَالَ الشَّيْخُ:
وَهَذِهِ الثَّلَاثُ الصِّفَاتِ: هِيَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ وَرَعِ الْمُرِيدِينَ دَرَجَاتُ وَرَعِ الْمُرِيدِينَ.
يَعْنِي أَنَّ لِلْمُرِيدِينَ دَرَجَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مِنَ الْوَرَعِ فَوْقَ هَذِهِ. ثُمَّ ذَكَرَهُمَا فَقَالَ:

.[الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: حِفْظُ الْحُدُودِ عِنْدَ مَالَا بَأْسَ بِهِ]:

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: حِفْظُ الْحُدُودِ عِنْدَ مَالَا بَأْسَ بِهِ، إِبْقَاءً عَلَى الصِّيَانَةِ وَالتَّقْوَى الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ وَرَعِ الْمُرِيدِينَ. وَصُعُودًا عَنِ الدَّنَاءَةِ. وَتَخَلُّصًا عَنِ اقْتِحَامِ الْحُدُودِ.
يَقُولُ: إِنَّ مَنْ صَعَدَ عَنِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْوَرَعِ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الْمُبَاحِ، إِبْقَاءً عَلَى صِيَانَتِهِ، وَخَوْفًا عَلَيْهَا أَنْ يَتَكَدَّرَ صَفْوُهَا. وَيُطْفَأَ نُورُهَا. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُبَاحِ يُكَدِّرُ صَفْوَ الصِّيَانَةِ، وَيُذْهِبُ بَهْجَتَهَا، وَيُطْفِئُ نُورَهَا، وَيُخْلِقُ حُسْنَهَا وَبَهْجَتَهَا.
وَقَالَ لِي يَوْمًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ- قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ- فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُبَاحِ: هَذَا يُنَافِي الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ شَرْطًا فِي النَّجَاةِ. أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ.
فَالْعَارِفُ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنَ الْمُبَاحِ إِبْقَاءً عَلَى صِيَانَتِهِ. وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُبَاحُ بَرْزَخًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا- كَمَا تَقَدَّمَ- فَتَرْكُهُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ كَالْمُتَعَيِّنِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ لِمُنَافَاتِهِ لِدَرَجَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَاحِبِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَصَاحِبِ هَذِهِ: أَنَّ ذَلِكَ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ الصِّيَانَةِ. وَهَذَا يَسْعَى فِي حِفْظِ صَفْوِهَا أَنْ يَتَكَدَّرَ، وَنُورِهَا أَنْ يُطْفَأَ وَيَذْهَبَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِبْقَاءً عَلَى الصِّيَانَةِ.
وَأَمَّا الصُّعُودُ عَنِ الدَّنَاءَةِ فَهُوَ الرَّفْعُ عَنْ طُرُقَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا.
وَأَمَّا التَّخَلُّصُ عَنِ اقْتِحَامِ الْحُدُودِ، فَالْحُدُودُ هِيَ النِّهَايَاتُ. وَهِيَ مَقَاطِعُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. فَحَيْثُ يَنْقَطِعُ وَيَنْتَهِي، فَذَلِكَ حَدُّهُ. فَمَنِ اقْتَحَمَهُ وَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ وَقُرْبَانِهِ. فَقَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}.
وَقَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}. فَإِنَّ الْحُدُودَ يُرَادُ بِهَا أَوَاخِرُ الْحَلَالِ. وَحَيْثُ نَهَى عَنِ الْقُرْبَانِ فَالْحُدُودُ هُنَاكَ: أَوَائِلُ الْحَرَامِ.
يَقُولُ سُبْحَانَهُ: لَا تَتَعَدُّوا مَا أَبَحْتُ لَكُمْ، وَلَا تَقْرُبُوا مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ.
فَالْوَرِعُ يُخَلِّصُ الْعَبْدَ مِنْ قُرْبَانِ هَذِهِ وَتَعَدِّي هَذِهِ. وَهُوَ اقْتِحَامُ الْحُدُودِ.

.[الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ التَّوَرُّعُ عَنْ كُلِّ دَاعِيَةٍ تَدْعُو إِلَى شَتَاتِ الْوَقْتِ]:

وَقَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ وَرَعِ الْمُرِيدِينَ: التَّوَرُّعُ عَنْ كُلِّ دَاعِيَةٍ تَدْعُو إِلَى شَتَاتِ الْوَقْتِ. وَالتَّعَلُّقِ بِالتَّفَرُّقِ. وَعَارِضٍ يُعَارِضُ حَالَ الْجَمْعِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ شَتَاتِ الْوَقْتِ، وَالتَّعَلُّقِ بِالتَّفَرُّقِ: كَالْفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ، وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. فَإِنَّهُ يَتَشَتَّتُ وَقْتَهُ. فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَا سِوَى مَطْلُوبِهِ الْحَقِّ. إِذْ لَا تَعْطِيلَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الْإِرَادَةِ. فَمَنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُرَادَهُ أَرَادَ مَا سِوَاهُ.
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَحْدَهُ مَعْبُودَهُ عَبَدَ مَا سِوَاهُ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لِلَّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
فَالْمُخْلِصُ يَصُونُهُ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ وَخَشِيَتِهِ وَحْدَهُ، وَرَجَائِهِ وَحْدَهُ، وَالطَّلَبِ مِنْهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَعْلَى مِنَ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ: لِأَنَّ أَرْبَابَهَا اشْتَغَلُوا بِحِفْظِ الصِّيَانَةِ مِنَ الْكَدَرِ وَمُلَاحَظَتِهَا. وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ: تَفَرُّقٌ عَنِ الْحَقِّ. وَاشْتِغَالٌ عَنْ مُرَاقَبَتِهِ بِحَالِ نُفُوسِهِمْ. فَأَدَبُ أَهْلِ هَذِهِ أَدَبُ حُضُورٍ، وَأَدَبُ أُولَئِكَ أَدَبُ غَيْبَةٍ.
وَأَمَّا الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ حَالَ الْجَمْعِ.
فَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ الْعَبْدُ شُهُودَ فَنَائِهِ فِي التَّوْحِيدِ، وَجَمْعِيَّتَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ هَذَا الْفَنَاءَ وَالْجَمْعِيَّةَ.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا مَطْلَبٌ جَعَلَ كُلَّ حَالٍ يُعَارِضُهَا وَيَقْطَعُ عَنْهَا نَاقِصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. فَالرَّغْبَةُ عَنْهُ غَيْرُ وَرَعِ صَاحِبِهَا. وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ. وَأَنَّ فَوْقَ هَذَا مَقَامٌ أَرْفَعُ مِنْهُ وَأَعْلَى. وَهُوَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ حَظٍّ يُزَاحِمُ مُرَادَهُ مِنْكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَظُّ فَنَاءً وَجَمْعِيَّةً، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ. وَبَيَّنَّا أَنَّ الْفَنَاءَ وَالْجَمْعِيَّةَ حَظُّ الْعَبْدِ. وَأَنَّ حَقَّ الرَّبِّ وَرَاءَ ذَلِكَ. وَهُوَ الْبَقَاءُ بِمُرَادِهِ فَرْقًا وَجَمْعًا بِهِ وَلَهُ.
وَعَلَى هَذَا فَالْوَرِعُ الْخَاصُّ: الْوَرِعُ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ حَالَ الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ، وَالْبَقَاءِ بِهِ فَرْقًا وَجَمْعًا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

.فَصْلٌ: [الْخَوْفُ يُثْمِرُ الْوَرَعَ]:

الْخَوْفُ يُثْمِرُ الْوَرَعَ وَالِاسْتِعَانَةَ وَقِصَرَ الْأَمَلِ. وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ بِاللِّقَاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. وَالْمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ. وَالْقَنَاعَةُ تُثْمِرُ الرِّضَاءَ. وَالذِّكْرُ يُثْمِرُ حَيَاةَ الْقَلْبِ. وَالْإِيمَانُ بِالْقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. وَدَوَامُ تَأَمُّلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يُثْمِرُ الْمَعْرِفَةَ. وَالْوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أَيْضًا. وَالتَّوْبَةُ تُثْمِرُ الْمَحَبَّةَ أَيْضًا، وَدَوَامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُهَا. وَالرِّضَا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. وَالْعَزِيمَةُ وَالصَّبْرُ يُثْمِرَانِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ. وَالْإِخْلَاصُ وَالصِّدْقُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُثْمِرُ الْآخَرَ وَيَقْتَضِيهِ. وَالْمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الْخُلُقَ. وَالْفِكْرُ يُثْمِرُ الْعَزِيمَةَ. وَالْمُرَاقَبَةُ تُثْمِرُ عِمَارَةَ الْوَقْتِ، وَحِفْظَ الْأَيَّامِ وَالْحَيَاءَ، وَالْخَشْيَةَ وَالْإِنَابَةَ. وَإِمَاتَةُ النَّفْسِ وَإِذْلَالُهَا وَكَسْرُهَا يُوجِبُ حَيَاةَ الْقَلْبِ وَعِزَّهُ وَجَبْرَهُ. وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ وَمَقْتُهَا يُوجِبُ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتِكْثَارَ مَا مِنْهُ، وَاسْتِقْلَالَ مَا مِنْكَ مِنَ الطَّاعَاتِ. وَمَحْوَ أَثَرِ الدَّعْوَى مِنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَصِحَّةُ الْبَصِيرَةِ تُثْمِرُ الْيَقِينَ. وَحَسَنُ التَّأَمُّلِ لِمَا تَرَى وَتَسْمَعُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ وَالْمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ الْبَصِيرَةِ.
وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِنْ وَطَنِ الدُّنْيَا فَتُسْكِنَهُ فِي وَطَنِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ وَاسْتِجْلَائِهَا وَتَدَبُّرِهَا، وَفَهْمِ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَمَا نَزَلْ لِأَجْلِهِ، وَأَخْذِ نَصِيبِكَ وَحَظِّكَ مِنْ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ، وَتُنْزِلَهَا عَلَى دَاءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. آمِنَةٌ لَا يَلْحَقُ سَالِكَهَا خَوْفٌ وَلَا عَطَبٌ، وَلَا جَوْعٌ وَلَا عَطَشٌ، وَلَا فِيهَا آفَةٌ مِنْ آفَاتِ سَائِرِ الطَّرِيقِ الْبَتَّةَ. وَعَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ حَارِسٌ وَحَافِظٌ يَكْلَأُ السَّالِكِينَ فِيهَا وَيَحْمِيهِمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ. وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إِلَّا مِنْ عَرَفَ طُرُقَ النَّاسِ وَغَوَائِلَهَا وَآفَاتِهَا وَقُطَّاعَهَا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

.فَصْلٌ: مَنْزِلَةُ التَّبَتُّلِ:

وَمِنْ مَنَازِلِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مَنْزِلَةُ التَّبَتُّلِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}.
وَالتَّبَتُّلُ الِانْقِطَاعُ. وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الْبَتْلِ وَهُوَ الْقَطْعُ. وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ الْبَتُولَ لِانْقِطَاعِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا نُظَرَاءُ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهَا. فَفَاقَتْ نِسَاءَ الزَّمَانِ شَرَفًا وَفَضْلًا. وَقُطِعَتْ مِنْهُنَّ. وَمَصْدَرُ بَتَّلَ تَبَتُّلًا كَالتَّعَلُّمِ وَالتَّفَهُّمِ، وَلَكِنْ جَاءَ عَلَى التَّفْعِيلِ- مَصْدَرُ تَفَعَّلَ- لِسِرٍّ لِطَيْفٍ. فَإِنَّ فِي هَذَا الْفِعْلِ إِيذَانًا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّلِ وَالتَّكَثُّرِ وَالْمُبَالَغَةِ. فَأَتَى بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَبِالْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَى الْآخَرِ. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إِلَى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ الْمَعْنَيَانِ مِنَ الْفِعْلِ وَمَصْدَرِهِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ.
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
التَّبَتُّلُ الِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} أَيِ التَّجْرِيدِ الْمَحْضِ.
وَمُرَادُهُ بِالتَّجْرِيدِ الْمَحْضِ التَّبَتُّلُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَعْوَاضِ. بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْمُتَبَتِّلُ كَالْأَجِيرِ الَّذِي لَا يَخْدِمُ إِلَّا لِأَجْلِ الْأُجْرَةِ. فَإِذَا أَخَذَهَا انْصَرَفَ عَنْ بَابِ الْمُسْتَأْجِرِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ. فَإِنَّهُ يَخْدِمُ بِمُقْتَضَى عُبُودِيَّتِهِ، لَا لِلْأُجْرَةِ. فَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ بَابِ سَيِّدِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ آبِقًا. وَالْآبِقُ قَدْ خَرَجَ مِنْ شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ. وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِطْلَاقُ الْحُرِّيَّةِ. فَصَارَ بِذَلِكَ مَرْكُوسًا عِنْدَ سَيِّدِهِ وَعِنْدَ عَبِيدِهِ. وَغَايَةُ شَرَفِ النَّفْسِ دُخُولُهَا تَحْتَ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا وَمَحَبَّةً، لَا كَرْهًا وَقَهْرًا. كَمَا قِيلَ:
شَرَفُ النُّفُوسِ دُخُولُهَا فِي رِقِّهِمْ ** وَالْعَبْدُ يَحْوِي الْفَخْرَ بِالتَّمْلِيكِ

وَالَّذِي حَسُنَ اسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِهِ: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى. وَأَنَّهُ تَعَالَى صَاحِبُ دَعْوَةِ الْحَقِّ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ لِدَاعِيهِ بِهَا ثَوَابًا. فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ. فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ، وَيُدْعَى وَحْدَهُ، وَيُقْصَدَ وَيُشْكَرَ وَيُحْمَدَ، وَيُحَبَّ وَيُرْجَى وَيُخَافَ، وَيُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَعَانَ بِهِ، وَيُسْتَجَارَ بِهِ، وَيُلْجَأَ إِلَيْهِ، وَيُصْمَدَ إِلَيْهِ. فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْحَقُّ لَهُ وَحْدَهُ.
وَمَنْ قَامَ بِقَلْبِهِ هَذَا- مَعْرِفَةً وَذَوْقًا وَحَالًا- صَحَّ لَهُ مَقَامُ التَّبَتُّلِ، وَالتَّجْرِيدِ الْمَحْضِ. وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ دَعْوَةَ الْحَقِّ الْمُرَادِ بِهَا بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ وَالصِّدْقِ. وَمُرَادُهُمْ هَذَا الْمَعْنَى.
فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الْحَقِّ التَّوْحِيدُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَاصِ. وَالدُّعَاءُ الْخَالِصُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ. وَدَعْوَةُ الْحَقِّ دَعْوَةُ الْإِلَهِيَّةِ وَحُقُوقُهَا وَتَجْرِيدُهَا وَإِخْلَاصُهَا.

.[دَرَجَاتُ التَّبَتُّلِ]:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْحُظُوظِ وَاللُّحُوظِ إِلَى الْعَالَمِ]:

قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ دَرَجَاتُ التَّبَتُّلِ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْحُظُوظِ وَاللُّحُوظُ إِلَى الْعَالَمِ، خَوْفًا أَوْ رَجَاءً، أَوْ مُبَالَاةً بِحَالٍ.
قُلْتُ: التَّبَتُّلُ يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ اتِّصَالًا وَانْفِصَالًا. لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِمَا.
فَالِانْفِصَالُ: انْقِطَاعُ قَلْبِهِ عَنْ حُظُوظِ النَّفْسِ الْمُزَاحِمَةِ لِمُرَادِ الرَّبِّ مِنْهُ. وَعَنِ الْتِفَاتِ قَلْبِهِ إِلَى مَا سِوَى اللَّهِ، خَوْفًا مِنْهُ، أَوْ رَغْبَةً فِيهِ، أَوْ مُبَالَاةً بِهِ، أَوْ فِكْرًا فِيهِ، بِحَيْثُ يُشْغَلُ قَلْبُهُ عَنِ اللَّهِ.
وَالِاتِّصَالُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ هَذَا الِانْفِصَالِ. وَهُوَ اتِّصَالُ الْقَلْبِ بِاللَّهِ، وَإِقْبَالُهُ عَلَيْهِ، وَإِقَامَةُ وَجْهِهِ لَهُ، حُبًّا وَخَوْفًا وَرَجَاءً، وَإِنَابَةً وَتَوَكُّلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مَا يُعِينُ عَلَى هَذَا التَّجْرِيدِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ. فَقَالَ:
بِحَسْمِ الرَّجَاءِ بِالرِّضَا، وَقَطْعِ الْخَوْفِ بِالتَّسْلِيمِ، وَرَفْضِ الْمُبَالَاةِ بِشُهُودِ الْحَقِيقَةِ.
يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَحْسِمُ مَادَّةَ رَجَاءِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْقَلْبِ مِنْ قَلْبِكَ هُوَ الرِّضَا بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَسْمِهِ لَكَ. فَمَنْ رَضِيَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَقَسْمِهِ، لَمْ يَبْقَ لِرَجَاءِ الْخَلْقِ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ.
وَالَّذِي يَحْسِمُ مَادَّةَ الْخَوْفِ مِنَ الْقَلْبِ هُوَ التَّسْلِيمُ لِلَّهِ. فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ وَاسْتَسْلَمَ لَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ- لَمْ يَبْقَ لِخَوْفِ الْمَخْلُوقِينَ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ أَيْضًا. فَإِنَّ نَفْسَهُ الَّتِي يَخَافُ عَلَيْهَا قَدْ سَلَّمَهَا إِلَى وَلِيِّهَا وَمَوْلَاهَا. وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهَا. وَأَنَّ مَا كُتِبَ لَهَا لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهَا. فَلَا مَعْنَى لِلْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ بِوَجْهٍ.
وَفِي التَّسْلِيمِ أَيْضًا فَائِدَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ فَوَائِدِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ. وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَهَا اللَّهُ فَقَدْ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ. وَأَحْرَزَهَا فِي حِرْزِهِ. وَجَعَلَهَا تَحْتَ كَنَفِهِ. حَيْثُ لَا تَنَالُهَا يَدُ عَدُوٍّ عَادٍ وَلَا بَغْيُ بَاغٍ عَاتٍ.
وَالَّذِي يَحْسِمُ مَادَّةَ الْمُبَالَاةِ بِالنَّاسِ شُهُودُ الْحَقِيقَةِ. وَهُوَ رُؤْيَةُ الْأَشْيَاءِ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَفِي قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ. لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ. فَمَا وَجْهُ الْمُبَالَاةِ بِالْخَلْقِ بَعْدَ هَذَا الشُّهُودِ؟

.[الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلَى النَّفْسِ بِمُجَانَبَةِ الْهَوَى]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّبَتُّلِ تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلَى النَّفْسِ بِمُجَانَبَةِ الْهَوَى. وَتَنَسُّمِ رَوْحِ الْأُنْسِ، وَشَيْمِ بَرْقِ الْكَشْفِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّ الْأُولَى انْقِطَاعٌ عَنِ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ انْقِطَاعٌ عَنِ النَّفْسِ. وَجَعَلَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: مُجَانَبَةُ الْهَوَى وَمُخَالَفَتُهُ وَنَهْيُ نَفْسِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَهُ يَصُدُّ عَنِ التَّبَتُّلِ.
وَثَانِيهَا:- وَهُوَ بَعْدَ مُخَالَفَةِ الْهَوَى- تَنَسُّمُ رَوْحِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ، وَالرَّوْحُ لِلرُّوحِ كَالرُّوحِ لِلْبَدَنِ. فَهُوَ رُوحُهَا وَرَاحَتُهَا. وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ هَذَا الرَّوْحُ لَمَّا أَعْرَضَ عَنْ هَوَاهُ. فَحِينَئِذٍ تَنَسَّمَ رَوْحَ الْأُنْسِ بِاللَّهِ. وَوَجَدَ رَائِحَتَهُ. إِذِ النَّفْسُ لَا بُدَّ لَهَا مِنَ التَّعَلُّقِ. فَلَمَّا انْقَطَعَ تَعَلُّقُهَا مِنْ هَوَاهَا وَجَدَتْ رَوْحَ الْأُنْسِ بِاللَّهِ. وَهَبَّتْ عَلَيْهَا نَسَمَاتُهُ. فَرَيَّحَتْهَا وَأَحْيَتْهَا.
وَثَالِثُهَا: شَيْمُ بَرْقِ الْكَشْفِ. وَهُوَ مُطَالَعَتُهُ وَاسْتِشْرَافُهُ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ. لِيَعْلَمَ بِهِ مَوَاقِعَ الْغَيْثِ وَمَسَاقِطَ الرَّحْمَةِ.
وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْكَشْفِ هَاهُنَا الْكَشْفُ الْجُزْئِيُّ السُّفْلِيُّ، الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، كَالْكَشْفِ عَنْ مُخَبَّآتِ النَّاسِ وَمَسْتُورِهِمْ. وَإِنَّمَا هُوَ الْكَشْفُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، هُنَّ مُنْتَهَى كَشْفِ الصَّادِقِينَ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ.
أَحَدُهَا: الْكَشْفُ عَنْ مَنَازِلِ السَّيْرِ.
وَالثَّانِي: الْكَشْفُ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ، وَآفَاتِ الْأَعْمَالِ وَمُفَسَّدَاتِهَا.
وَالثَّالِثُ: الْكَشْفُ عَنْ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَحَقَائِقِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وَهَذِهِ الْأَبْوَابُ الثَّلَاثَةُ هِيَ مَجَامِعُ عُلُومِ الْقَوْمِ. وَعَلَيْهَا يَحُومُونَ. وَحَوْلَهَا يُدَنْدِنُونَ. وَإِلَيْهَا يُشَمِّرُونَ. فَمِنْهُمْ مَنْ جُلُّ كَلَامِهِ وَمُعْظَمُهُ فِي السَّيْرِ وَصِفَةِ الْمَنَازِلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جُلُّ كَلَامِهِ فِي الْآفَاتِ وَالْقَوَاطِعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جُلُّ كَلَامِهِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَالصَّادِقُ الذَّكِيُّ يَأْخُذُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَقِّ. فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَطْلَبِهِ. وَلَا يَرُدُّ مَا يَجِدُهُ عِنْدَهُ مِنَ الْحَقِّ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْحَقِّ الْآخَرِ. وَيَهْدِرُهُ بِهِ. فَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا مِنَ الْعِبَادِ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ.

.[الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ إِلَى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقَامَةِ]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّبَتُّلِ تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ إِلَى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقَامَةِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي قَصْدِ الْوُصُولِ، وَالنَّظَرِ إِلَى أَوَائِلِ الْجَمْعِ.
لَمَّا جَعَلَ الدَّرَجَةَ الْأُولَى انْقِطَاعًا عَنِ الْخَلْقِ، وَالثَّانِيَةُ انْقِطَاعًا عَنِ النَّفْسِ، جَعَلَ الثَّالِثَةَ طَلَبًا لِلسَّبْقِ. وَجَعَلَهُ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقَامَةِ. وَهِيَ الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَى الْحَقِّ. وَلُزُومُ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِمَحَابِّهِ. ثُمَّ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي قَصْدِ الْوُصُولِ.
وَهُوَ أَنْ يَشْغَلَهُ طَلَبُ الْوُصُولِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ هُمُومَهُ وَعَزَائِمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَأَوْقَاتَهُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ بُدُوِّ بَرْقِ الْكَشْفِ الْمَذْكُورِ لَهُ.
وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى أَوَائِلِ الْجَمْعِ فَالْجَمْعُ هُوَ قِيَامُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالْحَقِّ وَحْدَهُ. وَقِيَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ.
وَالنَّظَرُ إِلَى أَوَائِلِ ذَلِكَ هُوَ الِالْتِفَاتُ إِلَى مُقَدِّمَاتِهِ وَبِدَايَاتِهِ. وَهِيَ الْعَقَبَةُ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنْهَا عَلَى وَادِي الْفَنَاءِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا وَقْفَةٌ تَعْتَرِضُ الْقَاطِعَ لِأَوْدِيَةِ التَّفْرِقَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْجَمْعِ. وَمِنْهَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْوَقْفَةُ تَعْتَرِضُ كُلَّ طَالِبِ مَجْدٍ فِي طَلَبِهِ. فَمِنْهَا يَرْجِعُ عَلَى عَقِبِهِ، أَوْ يَصِلُ إِلَى مَطْلَبِهِ كَمَا قِيلَ:
لَابُدَّ لِلْعَاشِقِ مِنْ وَقْفَةٍ مَا بَيْنَ سُلْوَانٍ وَبَيْنَ غَرَامِ ** وَعِنْدَهَا يَنْقِلُ أَقْدَامَهُ إِمَّا إِلَى خَلْفٍ وَإِمَّا أَمَامِ

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَوَائِلَ الْجَمْعِ مَبَادِئُهُ وَلَوَائِحُهُ وَبَوَارِقُهُ.
وَبَعْدَ هَذَا دَرَجَةٌ رَابِعَةٌ الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّبَتُّلِ. وَهِيَ الِانْقِطَاعُ عَنْ مُرَادِهِ مِنْ رَبِّهِ. وَالْفَنَاءُ عَنْهُ إِلَى مُرَادِ رَبِّهِ مِنْهُ، وَالْفَنَاءِ بِهِ. فَلَا يُرِيدُ مِنْهُ، بَلْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُهُ، مُنْقَطِعًا بِهِ عَنْ كُلِّ إِرَادَةٍ. فَيَنْظُرُ فِي أَوَائِلِ الْجَمْعِ فِي مُرَادِهِ الدِّينِيِّ الْأَمْرِيِّ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
وَأَكْثَرُ أَرْبَابِ السُّلُوكِ عِنْدَهُمْ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فَرْقٌ،{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} جَمْعٌ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ تَرْكَ الْجَمْعِ زَنْدَقَةٌ وَكُفْرٌ. فَهُوَ يُعْرِضُ عَنِ الْجَمْعِ إِلَى الْفَرْقِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَقَامَ التَّفْرِقَةِ نَاقِصٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وَيَرَى سُوءَ حَالِ أَهْلِهِ وَتَشَتُّتَهُمْ. فَيَرْغَبُ عَنْهُ عَامِلًا عَلَى الْجَمْعِ. يَتَوَجَّهُ مَعَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ رَكَائِبُهُ.
وَالْمُسْتَقِيمُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ السَّالِكِ مِنْ جَمْعٍ وَفَرْقٍ، وَقِيَامُ الْعُبُودِيَّةِ بِهِمَا. فَمَنْ لَا تَفْرِقَةَ لَهُ لَا عُبُودِيَّةَ لَهُ. وَمَنْ لَا جَمْعَ لَهُ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ وَلَا حَالَ.
فَـ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فَرْقٌ.:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} جَمْعٌ.
وَالْحَقُّ: أَنَّ كُلًّا مِنْ مَشْهَدَيْ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مُتَضَمِّنٌ لِلْفَرْقِ وَالْجَمْعِ، وَكَمَالُ الْعُبُودِيَّةِ بِالْقِيَامِ بِهِمَا فِي كُلِّ مَشْهَدٍ.
فَفَرْقُ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تَنَوُّعُ مَا يُعْبَدُ بِهِ، وَكَثْرَةُ تَعَلُّقَاتِهِ وَضُرُوبِهِ.
وَجَمْعُهُ: تَوْحِيدُ الْمَعْبُودِ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وَإِرَادَةُ وَجْهِهِ وَحْدَهُ، وَالْفَنَاءُ عَنْ كُلِّ حَظٍّ وَمُرَادٍ يُزَاحِمُ حَقَّهُ وَمُرَادَهُ.
فَتَضَمَّنَ هَذَا الْمَشْهَدُ فَرْقًا فِي جَمْعٍ، وَكَثْرَةً فِي وَحْدَةٍ. فَصَاحِبُهُ يَتَنَقَّلُ فِي مَنَازِلَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ عِبَادَةٍ إِلَى عِبَادَةٍ، وَمَعْبُودٍ وَاحِدٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَأَمَّا فَرْقُ:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فَشُهُودُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْهِ، وَمَرْتَبَتَهُ وَمَنْزِلَتَهُ، وَمَحَلَّهِ مِنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَبِدَايَتَهُ وَعَاقِبَتَهُ، وَاتِّصَالَهُ- بَلْ وَانْفِصَالَهُ- وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ.
وَيَشْهَدُ- مَعَ ذَلِكَ- فَقْرَ الْمُسْتَعِينِ وَحَاجَتَهُ وَنَقْصَهُ، وَضَرُورَتَهُ إِلَى كَمَالَاتِهِ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ فِي تَحْصِيلِهَا، وَآفَاتَهُ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ فِي دَفْعِهَا. وَيَشْهَدُ حَقِيقَةَ الِاسْتِعَانَةِ وَكِفَايَةَ الْمُسْتَعَانِ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ فَرْقٌ يُثْمِرُ عُبُودِيَّةَ هَذَا الْمَشْهَدِ.
وَأَمَّا جَمْعُهُ: فَشُهُودُ تَفَرُّدِهِ سُبْحَانَهُ بِالْأَفْعَالِ، وَصُدُورِ الْكَائِنَاتِ بِأَسْرِهَا عَنْ مَشِيئَتِهِ، وَتَصْرِيفِهَا بِإِرَادَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
فَغَيْبَتُهُ بِهَذَا الْمَشْهَدِ عَمَّا قَبْلَهُ مِنَ الْفَرْقِ: نَقْصٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، كَمَا أَنَّ تَفَرُّقَهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ دُونَ مُلَاحَظَتِهِ: نَقْصٌ أَيْضًا. وَالْكَمَالُ إِعْطَاءُ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ حَقَّهُمَا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ وَالْمَشْهَدِ الْأَوَّلِ.
فَتَبَيَّنَ تَضَمُّنُ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لِلْجَمْعِ وَالْفَرْقِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.